قتل الرحمة
التعريف بقتل الرحمة: قتل الرحمة هو: إنهاء حياة
مريض لا يُرجَى شفاؤه من آلامه المبرحة بدواعي الإشفاق عليه، سواء كان هذا بطلب
المريض أو بطلب أهله، أو بإرادة منفردة من الطبيب أو الممرض أو غيره، وسواء أكان
الإنهاء بفعل إيجابي أم بفعل سلبي·
ويقسم القانونيون والأطباء قتل الرحمة إلى نوعين:
النوع الأول: قتل الرحمة الإيجابي وذلك بالفعل والمبادرة: ويكون
بإعطاء الطبيب أو غيره للمريض ماينهي حياته وآلامه، سواء كان هذا المعطى طعاماً،
أو سماً ماحقا، أو دواء مميتا أو نحو ذلك مما يعجّل بإنهاء حياة المريض ووفاته·
وقد يكون هذا النوع من القتل بإزالة ورفع وسائل التغذية
الموصولة إلى جسم المريض، أو إزالة ورفع أجهزة الإنعاش الصناعي الموضوعة للمريض،
أو نحو ذلك مما يعالج به المريض فعلا للإبقاء على حياته·
النوع الثاني: قتل الرحمة السلبي وذلك بالامتناع عن الفعل:
ويكون بامتناع الطبيب أو غيره عن إعطاء المريض العلاج اللازم، أو منع توصيل أجهزة
الانعاش الصناعي للمريض الذي هو في حاجة إليها للإبقاء على حياته، مما يرتب على
ذلك مضاعفات خطيرة تؤدي وتعجّل بإنهاء حياة المريض·
>
هل عرف المسلمون قتل الرحمة؟
لم يعرف المسلمون في تاريخهم مايسمى: >قتل الرحمة<، ولم
يكن شائعا فيما بينهم، بل إن هذا القتل خروج على تعاليم الإسلام وتوجيهاته، لأن
تعاليم الإسلام تعتبر النفس البشرية أمانة عند صاحبها وليست ملكاً له، وإنما هي
ملك لله تعالى ينبغي المحافظة علىها، بل إن الإسلام يحث المريض، وأهله على الصبر،
ويعتبر المرض امتحاناً من الله تعالى، يكفر به الذنوب ويؤجر عليه المريض بأحسن
الجزاء إذا اقترن مع الصبر، ففي الآية >155 من سورة البقرة< {ولنبلونكم بشيء
من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين}، وفي الحديث
المتفق عليه: >ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا همِّ ولا حزن ولا أذى ولا
غمِّ، حتى الشوكة يشاكها إلا كفَّرالله بها من خطاياه<·
وقد منع الإسلام المريض وأهله من تمني موته ليتخلص مما يعانيه،
وأرشدهم إلى طلب الخير أنى هو، ففي الصحيحين: >لا يتمنين أحدكم الموت من ضر
أصابه، فإن كان لابد فاعلا فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي، وتوفني
إذا كانت الوفاة خيرا لي<·
بل إن التعاليم الإسلامية تدعو إلى زيارة المريض ومؤانسته
ورعايته وأهله والدعاه له، وتحث على زيادة اللجوء إلى الله وحده ليكشف الضر ويرفع
البلاء، وفي الصحيحين أن النبي [ كان يعود المرضى ويقول: >رب الناس أذهب الباس،
اشف أنت الشافي، لاشفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقما<، وفي >سورة النمل
الآية -62<{أمَّن يجيب المضطر إذا دعاه ويشكف السوء}، وفي سنن الترمذي: >إذا
دخلتم على مريض فنفِّسوا في أجله<، أي أسمعوه الكلام الطيب، وأمِّلوه بطول العمر،
وأنه سيشفى من مرضه بإذن الله تعالى، ويعود إلى ممارسة أعماله وحياته العادية
صحيحاً معافى·
<
نظرة القوانين إلى قتل الرحمة
ترتبط فكرة قتل الرحمة عموما بنظرية طلب الانتحار أو الشروع في
قتل النفس، وكان هذا شائعا ولا يزال في بعض المجتمعات، وهو يقوم على فلسفة الحرية
الشخصية المطلقة للإنسان، وأنه هو مالك بدنه وروحه يتصرف فيها كما يشاء، وخصوصا
إذا كان تصرفه لغايات ومسوغات سامية، كتكفيره عن تقصير اجتماعي أو جرم وطني، أو
وفائه لعلاقات زوجية أو شخصية، أو لموت عزيز لا يحسن العيش بعده!
واستصحابا لتلك النظرية ذات الصلة بالحرية الشخصية، ترى بعض
القوانين الوضعية كالقانون الإنجليزي والقانون الهولندي، أن قتل الرحمة أمر شخصي
يخص الفرد نفسه دون غيره، ويمكن له أن يطلب إيقاعه به بموجب سلطانه على ذاته ورضاه
بوقوع >الجريمة< عليه، بشروط كثيرة محددة منها:
1- أن يكون قتل
الرحمة على يد طبيب مؤهَّل علمياً، ومسجَّل في نقابة الأطباء·
2-أن يكون المريض
عاقلاً بالغا سن الرشد القانوني
3-أن يكون المرض
عضالا لا يرجى شفاؤه، ويسبب آلاماً مبرحة للمريض·
4- تقديم المريض
موافقة خطية على إنهاء حياته·
هذا، بينما ترى كثير من القوانين الأخرى أن قتل الرحمة هو جريمة
كيفما وقعت، ولو بموافقة المجني عليه، لكنها جريمة أقل جسامة من جريمة القتل العمد
العادي، وبناء على هذا فإن قتل الرحمة يستحق تخفيف العقوبة على القاتل مراعاة
لبواعثه النبيلة، وشفقته على المقتول الذي أعطاه الإذن بقلته، عن طواعية واختيار
ورضا وهو بالغ عاقل، فمن حق مريض ميؤس من شفائه قتله بمادة قاتلة بناء على طلبه،
أو رفع أجهزة الإنعاش الصناعي أو وسائل التغذية عنه بناء على طلبه ففارق الحياة،
فلا يعاقب معاقبة القاتل العمد، بل تخفف عنه العقوبة المقررة للقتل العمد·
هذا، وتنص قوانين أخرى ومنها القوانين العربية، على أن قتل
الرحمة يعاقب عليه بعقوبة القتل العمد، مع ملاحظة استبعاد القصاص في بعض هذه
القوانين، ولو كان بطلب من المجني عليه وموافقته، وذلك لتوافر أركان الجريمة من
إزهاق روح إنسان حي، وقصد جنائي معلوم يتضمن الاعتداء على نفس بشرية مصانة غير أن
هذه القوانين فوضت القاضي عند تقدير العقوبة بتخفيفها إلى السجن نحو عشر سنوات،
مراعاة لشرف الباعث وتبدل المقصد في تخليص المريض من آلامه، إذ لا يعقل أن يسوى
بين القاتل انتقاماً، والقاتل بدافع الشفقة والحرص على إراحة المريض من آلامه
وأوجاعه المبرحة·
<
حكم قتل الرحمة في الإسلام
لا خلاف بين علماء المسلمين في اعتبار قتل الرحمة >من حيث
المبدأ< في تعتبر جريمة فظيعة لما فيها من اعتداء صارخ على النفس البشرية التي
حرم الله تعالى الاعتداء عليها وقتلها إلا بالحق، وذلك لعموم قوله تعالى: في
>سورة المائدة -32< {من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل
الناس جميعا}·
أما ما يتعلق بمدى مسؤولية وعقوبة من قتل غيره قتل رحمة بناء
على طلبه، فيخرج هذا على مسألة ذكرها الفقهاء السابقون وهي قولهم: من قال لآخر:
اقتلني، فقد أبرأتك من دمي، أو وهبتك دمي، فقتله الآخر إلخ···
وقد كان للعلماء تجاه هذا الموضوع ثلاثة أقوال على النحو
التالي:
القول الأول: يجب القصاص من القاتل لعموم أدلة القتل العمد،
ومنها >سورة المائدة -45< {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين
بالعين} وبهذا قال المالكية والظاهرية، أما إذن المجني عليه للطبيب ونحوه، فهو
ساقط الاعتبار لأن النفوس معصومة بعصمة الإسلام·
القول الثاني: لا قصاص على الجاني، وإنما عليه الدية لوجود
الشبهة، وهي هنا إذن المريض له بأن يقتله، وإن كان هذا الإذن غير جائز شرعا، لكنه
يولد شبهة مؤثرة تسقط القصاص، وإذا كان كذلك فعلى الجاني إعطاء الديه من ماله
الخاص، لا من مال أهله وبهذا قال الحنفية، غير أن هذا لايمنع من معاقبة القاتل
وتعزيزه بالسجن ونحوه، ردعا له ولأمثاله وصيانة للنفس البشرية عموما·
القول الثالث: لا قصاص ولا ديه على الجاني، للشبهة المؤثرة وهي:
إبراء الآمر له من دمه، لكن يعاقب الجانب بعقوبة تعزيرية مناسبة تردعه وأمثاله عن
التجرؤ على أرواح الناس، وبهذا قال الجمهور وهم هنا: الشافعية والحنفية، وذلك
اعتمادا على وجود الشبهة وعلى القاعدة المعروفة: الفعل المتولد من مأذون فيه لا
أثر له، أي: لا قصاص فيه هنا·
هذا، وبناء على ماذكر في هذه الأقوال يبدو: أنه إذا أذن ورثة
المريض- الميؤوس من شفائه- للطبيب في تنفيذ قتل الرحمة فهو عند الفقهاء أيضا بحسب
الأقوال الثلاثة الآنفة، إن كان دافعهم الشفقة والرحمة لا التخلص من المريض للحصول
على الإرث، وقد ذكر الطحاوي وغيره: أن ولي الدم كالأخ ونحوه، إن قال لآخر: أقتل
أخي فأنا ولي دمه، فقتله فلا قصاص وإنما الدية، وذلك لوجود شبهة الإذن من ولي
المقتول، وإن كان الإذن غير جائز شرعاً·
هذا، وفي مقام الموازنة بين هذه الأقوال يترجح عند الشيخ
>محمد أبي زهرة< يرحمه الله قول الجمهور الآنف ذكره، وذلك باستبعاده الآخذ
بالقول الذي ذهب إليه المالكية وهو القصاص من القاتل، ويرى أنه ينبغي مراعاة
الباعث والاعتداد به هنا، وهو إذن المجني عليه لغيره في أن يقتله، فلا نعتبر الفعل
قتلا عمدا محضاً، ولا الطبيب الجاني مجرماً إجراماً كاملاً، لذا لا يقتص منه بل
يعاقب تعزيزا·
<
حكم الوصية بقتل الرحمة
تدل الكثير من النصوص الشرعية على عدم جواز الوصية بقتل الرحمة،
فإذا أوصى المريض الطبيب أو الممرض بأن لا يعالجه أو لا يوصل له الأجهزة التي تبقي
على حياته ولو لفترة، كانت هذه الوصية باطلة وغير شرعية، وكذا لو أوصاه أن يحقنه
بمادة تسرع وفاته أو أوصاه بأن ينزع عنه الأجهزة التي تبقي حياته كان ذلك باطلا،
والأصل في بطلان هذه الوصية قول الله تعالى:{إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء
ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي} >النحل-90<، وهل هناك فعل أفحش
وأكثر منكراً وبغياً من إزهاق النفس التي عصمها الله؟
ثم إنه يحرم على الطبيب أو غيره تنفيذ هذه الوصية ولا ينبغي له
العمل بها، لأنها لا تنسجم مع أحكام الشرع، ولا مع أخلاق المهنة الطبية، لأن
الطبيب لم يتصف بهذا الوصف ولم يأخذ هذا الموقع ليقوم بقتل المرضى أو يتسبب بإنهاء
حياتهم، وإنما وجد لمعالجتهم وبث الأمل فيهم ورفع معنوياتهم ومحاولة إسعافهم حتى
آخر لحظة من حياتهم·
<
فتاوى معاصرة تحرم قتل الرحمة
سبق القول: إن قتل الرحمة من الأمور الطارئة على المجتمعات
الإسلامية المعاصرة، وبناء على هذا فقد عرض موضوع قتل الرحمة على الكثير من الجهات
الدينية المعاصرة كهيئة المجمع الفقهي الإسلامي في جدة ولجنة الفتوى في الأزهر
الشريف فقررتا صراحة: أنه لا يجوز قتل الرحمة بأي حال من الأحوال، وأن ذلك عدواناً
على النفس المعصومة ولو كان ميؤوساً من شفائها، وأنه ينبغي الأخذ بالأسباب التي
أودعها الله تعالى في هذا الكون، ولا يجوز اليأس من رحمة الله، بل ينبغي على
الأطباء وغيرهم تقوية معنويات المريض ورعايته ورعاية أهله، وحثهم جميعاً على الصبر
والتحمل، بصرف النظر عن توقع الشفاء أو عدمه·
<
الخاتمة
وهكذا يتضح أن بعض القوانين لا تجرّم - بشروط معينة - قاتل
المريض بدافع الرحمة به والإشفاق عليه إذا كان هذا برضاه، لأنه يملك نفسه وروحه
مطلقا وهو حر التصرف فيهما!
بينما ترى قوانين أخرى تجريم هذا الفعل لكن مع عدم مساواته من
حيث العقوبة بالقتل العمد، مراعاة لنبل المقصد وشرف الباعث وإذن المريض··!
أما الشريعة الإسلامية فقد حرمت قتل الرحمة واعتبرته قتلا عمدا
من حيث المبدأ، يستحق فاعله العقاب الأخروي، أما الجزاء الدنيوي فقد اختلف الفقهاء
في تقديره، فرأى بعضهم أن فيه القصاص، ورأى آخرون أن لا قصاص فيه لقيام الشبهة
التي يدرأ بها الحد والقصاص، وإنما فيه التعزير الذي قد يكون فيه سجن القاتل
وحرمانه من ممارسة مهنة الطب، وربما إيقاع عقوبات أخرى عليه تبعا لتقدير القاضي·
