ماهية
الفلسفة وقيمتها
ا-الفلسفة تلبّى في الإنسان حاجته للتعبير عن ذاته
يبدو أن الإنسان له عدّة خاصّيات وفي كلّ عصر تهيمن خاصّية على بقية الخاصّيات. فالعمل كان الخاصّية الأساسية عند الإنسان البدائي. فغرائزه تفرض عليه أن يلبّيها وتلبيتها تكون بالعمل. أمّا الوعي فقد كان محدودا جدّا في تلك الفترة. فهو يعمل كثيرا ولكن يعرف ويفكّر قليلا. وحتّى وإن فكّر فتفكيره كان في خدمة غرائزه. لكن بتطوّر التجربة الإنسانية وبالتالي تطوّر المعرفة واللغة، تطوّر الوعي وأصبحت المسائل العملية تلقى على كاهل الفكر. من هنا نشأت المرحلة الثانية مرحلة تغلّب التفكير على العمل، وأصبح الإنسان يفكّر قبل أن يعمل. بهذا التفكير المستمرّ تطوّر الوعي وأصبح هذا الوعي كيانا مستقلا بذاته وله حاجيّات مستقلّة عن حاجيات الجسد وأهمّ هذه الحاجيّات: الحاجة للتعبير عن ذاته. وتعتبر الفلسفة من أهمّ الوسائل التي يعبّر بها الإنسان عن ذاته.
هل يمكن للفرد الذي يمتلك وعيا متطوّرا أن يقتصر على العمل والمعرفة؟ طبعا لا يمكن ذلك لأنّ العمل والمعرفة خاصّيتان تظهران جانب التقبّل والإستهلاك سواء كان هذا الإستهلاك إستهلاكا للغذاء المتحصّل عليه بفعل العمل، أو تقبّلا للحقيقة المتحصّل عليها بفعل المعرفة (علمية أو دينية أو غيرها) وهما بذلك يعبّران عن عجز ونقص في الإنسان. على نقيض ذلك الثقافة التي تعبّر على أنّ الإنسان كامل ولديه ما يعبّر عنه وفي حاجة لأن يسمع هي الفلسفة. العامل يبحث عن الخبز والعالم يبحث عن الحقيقة أمّا الفيلسوف فيعبّر عن ذاته. لا ينظر الفيلسوف لنفسه على أنّه ناقص يحتاج لحقيقة خارجية. وإنّما ينظر لنفسه على أنّه كامل وله نظرية يجب أن يعلنها للنّاس وكانّه إله الطبيعة. فهل يمكن إذا بعد هذا الإنتقال من الحيوانية إلى الألوهية أن نكمّم الأفواه ونعود إلى تقبّل الوجود وندّعي أنّنا نستطيع أن نحيا بالعمل والمعرفة؟ إن الفلسفة بعد أن تطوّر الإنسان، أصبحت ضرورية وستظلّ كذلك. فهي سبيل الإنسان لإثبات وجوده ولذلك فإندثارها معناه إندثار الإنسان وتقييد ملكاته. إنّها ملازمة لوجود الإنسان الواعي بذاته ذلك الذي يسأل ويستغرب ويريد أن يعرف مكانته في العالم. وإن قال هيجل إن الفلسفة وليدة عصرها فهو لا يقصد بذلك أن الفلسفة جاءت في عصر معيّن وبإنتهاء ذلك العصر تنتهي الفلسفة، وإنّما يقصد أن لكلّ عصر فلسفة. ففلسفة عصر ما تنتهي بإنتهاء ذلك العصر وبنشأة عصر جديد تولد فلسفة جديدة. وهكذا تظلّ الفلسفة حاضرة بإستمرار.
نستنتج من هذا المحور الأوّل أن قيمة الفلسفة تكمن في ضرورة وجودها لكي يعبّر الإنسان عن نفسه. وهذه الضرورة ليست ضرورة ظرفية بل ضرورة مستمرّة. ولكن عن أيّ شيء يعبّر هذا الإنسان الفيلسوف؟ ما هي إهتماماته؟ وهل في ذلك قيمة؟
اا- تكمن قيمة الفلسفة في تناولها الأسئلة الميتافزقية
من بين الأسئلة التي يطرحها الإنسان هناك أسئلة تتعلق بواقعه (أي بالحيوانات والنباتات والكواكب...) لكن هناك طائفة أخرى من الأسئلة يطلق عليها الأسئلة الميتافزقية أو الماورائية من قبيل: من أين جئنا؟ من أوجدنا؟ ولماذا وجدنا؟ هل ستتواصل الحياة الإنسانية؟
هذه الأسئلة الميتافزقية يطرحها الإنسان بنفس الحدّة التي يطرح بها الأسئلة الواقعية العلمية. فالإنسان مثلما يهمّه أن يعرف لماذا تسقط الأجسام، يهمّه كذلك أن يعرف لماذا خُلق؟ ولهذا لا يستطيع أن يحيا بالعلم وحده. ومن اللغو أن نقول إنّنا يمكن أن نقتصر في معرفتنا على العلم فقط. فالميتافزيقا هي عنوان قيمة الإنسان وعظمته، وما يميّزه بحقّ عن الحيوان. إن الحيوان يستهلك أيّامه بدون معنى فهو يحيا ويموت ولكن لا يفقه معنى الحياة والموت. أمّا الإنسان فوضعه مختلف فما يجعله يتفوّق على الحيوان ولا يعتبر مجرّد ظاهرة طبيعية هو أنّه ينتصب قبالة هذا الوجود ويناقش الخلق. ففي نفس كلّ واحد منّا شعور بأن هذا العالم لغز لذلك يسعى لإيجاد تعليل منطقي للأحداث.
صحيح أن الأسئلة الميتافزيقية أسئلة عويصة ومع ذلك يغامر الفيلسوف بالبحث فيها. مَثَلَ الفيلسوف في هذه المهمّة كمَثَلِ من يبحث عن قطة سوداء في ليل دامس، ومع ذلك لا ييأس من البحث. فبدل أن نشكر الفيلسوف على إجتهاده نقول إنّ الفلسفة لا خير فيها.
قد يرى البعض أن الأسئلة الميتافزقية هامّة ولكن الفلسفة غير ضرورية لأنّ الدين يوضّح للإنسان هذه الأسئلة. فهل هناك ضرورة للفلسفة رغم وجود الدين؟
الواقع أن الفلسفة ضرورية لكل إنسان رغم وجود العلم كما بيّنا ورغم وجود الدين كما سنبيّن. صحيح أن الدين يوضّح للإنسان عدّة قضايا ولكن إذا نظرنا إليه نظرة فلسفية يمكن أن يصبح هو نفسه موضوع تساؤل. فمن بين الأسئلة التي تطرح:
- إذا كنّا نحن أبناء آدم وآدم كان في الجنّة كما تقول الأديان فهل أن الإنسان البدائي الذي كان يسكن المغاور هو إبن آدم؟
- إذا كانت هناك عدالة سماوية كما تدّعي الأديان فلماذا يولد بعض الناس معاقين. ما هو ذنبهم؟
- هل الإنسان مسيّر أن مخيّر؟ إذا قلنا أنّه مسيّر فقد الله صفة العدل وإن قلنا أنّه مخيّر فقد الله صفة خلق كلّ شيء.
لا يعني ذكر هذه الأسئلة أنّه لا توجد إجابات عليها ولكن الإجابات المتوفرة لا ترضي الجميع و مازالت محلّ نقد. ولأنّ الفيلسوف له جرأة مناقشة الدين ولأنّه يبحث عن الإقتناع، يُنظر إليه عادة على أنّه زنديق ولكن ذنبه الوحيد أنّه يبحث عن الإقتناع. فكيف نقول عن الفلسفة إنّها غير ضرورية أو بدون قيمة والحال أنّها تخرجنا من سذاجة العوام.
إذا يمكن أن نستنتج من كلّ هذا ضرورة بحث الفلسفة للقضايا الميتافزقية بمعزل عن الدين من أجل معرفة هذا العالم معرفة عقلية لا وجدانية. فهل هناك ما يبرّر أيضا قيمة الفلسفة؟
ا-الفلسفة تلبّى في الإنسان حاجته للتعبير عن ذاته
يبدو أن الإنسان له عدّة خاصّيات وفي كلّ عصر تهيمن خاصّية على بقية الخاصّيات. فالعمل كان الخاصّية الأساسية عند الإنسان البدائي. فغرائزه تفرض عليه أن يلبّيها وتلبيتها تكون بالعمل. أمّا الوعي فقد كان محدودا جدّا في تلك الفترة. فهو يعمل كثيرا ولكن يعرف ويفكّر قليلا. وحتّى وإن فكّر فتفكيره كان في خدمة غرائزه. لكن بتطوّر التجربة الإنسانية وبالتالي تطوّر المعرفة واللغة، تطوّر الوعي وأصبحت المسائل العملية تلقى على كاهل الفكر. من هنا نشأت المرحلة الثانية مرحلة تغلّب التفكير على العمل، وأصبح الإنسان يفكّر قبل أن يعمل. بهذا التفكير المستمرّ تطوّر الوعي وأصبح هذا الوعي كيانا مستقلا بذاته وله حاجيّات مستقلّة عن حاجيات الجسد وأهمّ هذه الحاجيّات: الحاجة للتعبير عن ذاته. وتعتبر الفلسفة من أهمّ الوسائل التي يعبّر بها الإنسان عن ذاته.
هل يمكن للفرد الذي يمتلك وعيا متطوّرا أن يقتصر على العمل والمعرفة؟ طبعا لا يمكن ذلك لأنّ العمل والمعرفة خاصّيتان تظهران جانب التقبّل والإستهلاك سواء كان هذا الإستهلاك إستهلاكا للغذاء المتحصّل عليه بفعل العمل، أو تقبّلا للحقيقة المتحصّل عليها بفعل المعرفة (علمية أو دينية أو غيرها) وهما بذلك يعبّران عن عجز ونقص في الإنسان. على نقيض ذلك الثقافة التي تعبّر على أنّ الإنسان كامل ولديه ما يعبّر عنه وفي حاجة لأن يسمع هي الفلسفة. العامل يبحث عن الخبز والعالم يبحث عن الحقيقة أمّا الفيلسوف فيعبّر عن ذاته. لا ينظر الفيلسوف لنفسه على أنّه ناقص يحتاج لحقيقة خارجية. وإنّما ينظر لنفسه على أنّه كامل وله نظرية يجب أن يعلنها للنّاس وكانّه إله الطبيعة. فهل يمكن إذا بعد هذا الإنتقال من الحيوانية إلى الألوهية أن نكمّم الأفواه ونعود إلى تقبّل الوجود وندّعي أنّنا نستطيع أن نحيا بالعمل والمعرفة؟ إن الفلسفة بعد أن تطوّر الإنسان، أصبحت ضرورية وستظلّ كذلك. فهي سبيل الإنسان لإثبات وجوده ولذلك فإندثارها معناه إندثار الإنسان وتقييد ملكاته. إنّها ملازمة لوجود الإنسان الواعي بذاته ذلك الذي يسأل ويستغرب ويريد أن يعرف مكانته في العالم. وإن قال هيجل إن الفلسفة وليدة عصرها فهو لا يقصد بذلك أن الفلسفة جاءت في عصر معيّن وبإنتهاء ذلك العصر تنتهي الفلسفة، وإنّما يقصد أن لكلّ عصر فلسفة. ففلسفة عصر ما تنتهي بإنتهاء ذلك العصر وبنشأة عصر جديد تولد فلسفة جديدة. وهكذا تظلّ الفلسفة حاضرة بإستمرار.
نستنتج من هذا المحور الأوّل أن قيمة الفلسفة تكمن في ضرورة وجودها لكي يعبّر الإنسان عن نفسه. وهذه الضرورة ليست ضرورة ظرفية بل ضرورة مستمرّة. ولكن عن أيّ شيء يعبّر هذا الإنسان الفيلسوف؟ ما هي إهتماماته؟ وهل في ذلك قيمة؟
اا- تكمن قيمة الفلسفة في تناولها الأسئلة الميتافزقية
من بين الأسئلة التي يطرحها الإنسان هناك أسئلة تتعلق بواقعه (أي بالحيوانات والنباتات والكواكب...) لكن هناك طائفة أخرى من الأسئلة يطلق عليها الأسئلة الميتافزقية أو الماورائية من قبيل: من أين جئنا؟ من أوجدنا؟ ولماذا وجدنا؟ هل ستتواصل الحياة الإنسانية؟
هذه الأسئلة الميتافزقية يطرحها الإنسان بنفس الحدّة التي يطرح بها الأسئلة الواقعية العلمية. فالإنسان مثلما يهمّه أن يعرف لماذا تسقط الأجسام، يهمّه كذلك أن يعرف لماذا خُلق؟ ولهذا لا يستطيع أن يحيا بالعلم وحده. ومن اللغو أن نقول إنّنا يمكن أن نقتصر في معرفتنا على العلم فقط. فالميتافزيقا هي عنوان قيمة الإنسان وعظمته، وما يميّزه بحقّ عن الحيوان. إن الحيوان يستهلك أيّامه بدون معنى فهو يحيا ويموت ولكن لا يفقه معنى الحياة والموت. أمّا الإنسان فوضعه مختلف فما يجعله يتفوّق على الحيوان ولا يعتبر مجرّد ظاهرة طبيعية هو أنّه ينتصب قبالة هذا الوجود ويناقش الخلق. ففي نفس كلّ واحد منّا شعور بأن هذا العالم لغز لذلك يسعى لإيجاد تعليل منطقي للأحداث.
صحيح أن الأسئلة الميتافزيقية أسئلة عويصة ومع ذلك يغامر الفيلسوف بالبحث فيها. مَثَلَ الفيلسوف في هذه المهمّة كمَثَلِ من يبحث عن قطة سوداء في ليل دامس، ومع ذلك لا ييأس من البحث. فبدل أن نشكر الفيلسوف على إجتهاده نقول إنّ الفلسفة لا خير فيها.
قد يرى البعض أن الأسئلة الميتافزقية هامّة ولكن الفلسفة غير ضرورية لأنّ الدين يوضّح للإنسان هذه الأسئلة. فهل هناك ضرورة للفلسفة رغم وجود الدين؟
الواقع أن الفلسفة ضرورية لكل إنسان رغم وجود العلم كما بيّنا ورغم وجود الدين كما سنبيّن. صحيح أن الدين يوضّح للإنسان عدّة قضايا ولكن إذا نظرنا إليه نظرة فلسفية يمكن أن يصبح هو نفسه موضوع تساؤل. فمن بين الأسئلة التي تطرح:
- إذا كنّا نحن أبناء آدم وآدم كان في الجنّة كما تقول الأديان فهل أن الإنسان البدائي الذي كان يسكن المغاور هو إبن آدم؟
- إذا كانت هناك عدالة سماوية كما تدّعي الأديان فلماذا يولد بعض الناس معاقين. ما هو ذنبهم؟
- هل الإنسان مسيّر أن مخيّر؟ إذا قلنا أنّه مسيّر فقد الله صفة العدل وإن قلنا أنّه مخيّر فقد الله صفة خلق كلّ شيء.
لا يعني ذكر هذه الأسئلة أنّه لا توجد إجابات عليها ولكن الإجابات المتوفرة لا ترضي الجميع و مازالت محلّ نقد. ولأنّ الفيلسوف له جرأة مناقشة الدين ولأنّه يبحث عن الإقتناع، يُنظر إليه عادة على أنّه زنديق ولكن ذنبه الوحيد أنّه يبحث عن الإقتناع. فكيف نقول عن الفلسفة إنّها غير ضرورية أو بدون قيمة والحال أنّها تخرجنا من سذاجة العوام.
إذا يمكن أن نستنتج من كلّ هذا ضرورة بحث الفلسفة للقضايا الميتافزقية بمعزل عن الدين من أجل معرفة هذا العالم معرفة عقلية لا وجدانية. فهل هناك ما يبرّر أيضا قيمة الفلسفة؟
